
البيان الختامي لندوة باريس حول الوضع الحقوقي والسياسي في تونس خمس سنوات بعد انقلاب 25 جويلية 2021: من أجل استعادة دولة القانون والحقوق والحريات…
This post is also available in:
العربية
باريس في 25 جويلية 2026
تحل الذكرى الخامسة لانقلاب 25 جويلية 2021، فيما لا تزال تونس تعيش على وقع أزمة سياسية ودستورية وحقوقية متفاقمة، اتسمت بتراجع غير مسبوق في منظومة الحقوق والحريات، وانحسار الضمانات الديمقراطية، وإضعاف المؤسسات الدستورية، وتزايد المخاوف بشأن استقلال القضاء وسيادة القانون.
وانطلاقا من مسؤوليتها في الدفاع عن الحقوق والحريات، نظمت مجموعة من المنظمات الحقوقية والمدنية ندوة وطنية خصصت لتقييم حصيلة السنوات الخمس الماضية، ورصد آثارها على دولة القانون، واستقلال القضاء، والحريات العامة والفردية، والواقع السياسي والاجتماعي في البلاد.
وبعد الاستماع إلى مختلف المداخلات والشهادات والقراءات القانونية والحقوقية، خلص الموقعون على البيان إلى أن تونس تشهد تراجعا مقلقا في ضمانات دولة القانون، في ظل تضييق متواصل على الفضاء المدني والسياسي، وتراجع استقلال المؤسسات، بما يهدد المكتسبات الديمقراطية التي حققها التونسيون بعد الثورة.
أولا : خمس سنوات من التراجع الحقوقي
يرى الموقعون أن السنوات التي أعقبت انقلاب 25 جويلية اتسمت بتركيز غير مسبوق للسلطات، وإضعاف آليات الرقابة والتوازن بين المؤسسات، والتوسع في الملاحقات والإيقافات والمحاكمات ذات الطابع السياسي، وإصدار أحكام سالبة للحرية شديدة القسوة في عدد من القضايا التي أثارت انتقادات واسعة من هيئات الدفاع ومنظمات حقوقية بشأن احترام ضمانات المحاكمة العادلة، واستقلال القضاء، وتناسب العقوبات.
كما سُجل توسع في اللجوء إلى الإيقاف التحفظي لفترات طويلة، وتنامي القيود المفروضة على حرية التعبير والصحافة والعمل الحزبي والجمعياتي، بما يعكس انكماشا متواصلا للفضاء العام، ويثير مخاوف جدية من توظيف المنظومة العدلية في ملاحقة الخصوم السياسيين والمعارضين وأصحاب الرأي.
ثانيا : سجناء الرأي… معاناة إنسانية متواصلة
يٌعبر الموقعون عن بالغ انشغالهم باستمرار احتجاز عدد من سجناء الرأي والضمير، وما يرافق ذلك من شكاوى متواترة تتعلق بظروف الاحتجاز، وصعوبة النفاذ إلى الرعاية الصحية والعلاج، وخاصة بالنسبة إلى كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة أو بأوضاع صحية دقيقة.
كما يٌعبرون عن قلقهم من نقل عدد من المحتجزين إلى مؤسسات سجنية بعيدة عن مقار إقامة عائلاتهم، بما يضاعف معاناتهم ومعاناة ذويهم، ويمس بحقهم في الحفاظ على الروابط الأسرية. ويؤكد المشاركون أن كرامة السجين وحقه في العلاج والرعاية والزيارة حقوق لا يجوز الانتقاص منها تحت أي ظرف، وأن احترامها يمثل التزاما قانونيا وأخلاقيا يقع على عاتق الدولة.
ثالثا : رسالة من داخل السجون… نداء إلى الضمير الوطني
يتوقف الموقعون باهتمام عند الرسالة التي وجهها عدد من سجناء الرأي من داخل السجون، وما تضمنته من دعوة إلى تغليب المصلحة الوطنية، ونبذ الانقسام، وتوحيد جهود مختلف القوى السياسية والمدنية والديمقراطية من أجل الدفاع عن الحرية واستعادة دولة القانون.
ويرى الموقعون أن هذه الرسالة، بصرف النظر عن اختلاف المواقع والانتماءات، تعكس إدراكا عميقا لخطورة المرحلة، وتؤكد أن الخروج من الأزمة لا يكون إلا بالحوار، واحترام التعددية، والاحتكام إلى الإرادة الشعبية، والقطع مع سياسات الإقصاء والتخوين.
رابعا : مسؤولية وطنية لإنقاذ تونس
إن الأزمة التي تعيشها البلاد لم تعد أزمة سياسية فحسب، بل أصبحت أزمة تمس أسس الدولة وثقة المواطنين في مؤسساتها، في ظل تواصل التدهور الاقتصادي والاجتماعي واتساع دائرة الاحتقان، وهو ما يجعل استعادة دولة القانون واحترام الحقوق والحريات شرطا أساسيا لأي مسار إصلاحي جاد.
ويؤكد الموقعون أن حماية الدولة لا تتحقق بإضعاف المؤسسات، ولا بصناعة الخصومات السياسية، ولا بتقييد الحريات، وإنما ببناء قضاء مستقل، ومؤسسات دستورية قوية، وإعلام حر، وفضاء مدني مفتوح، يضمن المشاركة والتعددية والتداول السلمي على السلطة.
وعليه، فإن الموقعون على هذا البيان :
1- يطالبون بالإفراج عن جميع المحتجزين بسبب آرائهم أو نشاطهم السياسي أو المدني السلمي، أو تمتيعهم بمحاكمات تستجيب لكافة ضمانات العدالة والاستقلال والإنصاف.
2- يدعون إلى وضع حد لكل أشكال توظيف القضاء في النزاعات السياسية، وتعزيز استقلال السلطة القضائية.
3-يدعون إلى رفع القيود عن حرية التعبير والصحافة والعمل السياسي والمدني، وضمان الحق في التنظيم والتظاهر السلمي.
5- يناشدون مختلف القوى الوطنية، على اختلاف مرجعياتها، الاستجابة لنداءات الحوار والتلاقي، وتغليب المصلحة الوطنية على منطق الاستقطاب والإقصاء، بما يفتح الطريق أمام استعادة المسار الديمقراطي في إطار احترام الدستور وسيادة القانون.
كما يؤكد الموقعون أن الذكرى الخامسة لانقلاب 25 جويلية ليست مناسبة لاستحضار الماضي فحسب، بل لحظة وطنية لمراجعة حصيلة مرحلة كاملة، وتجديد الالتزام بالدفاع عن الحقوق والحريات باعتبارها قيما لا تتجزأ، وعن استقلال القضاء باعتباره الضامن الأول للعدالة، وعن الديمقراطية باعتبارها الإطار الذي يكفل صون كرامة الإنسان وحقوقه.
كما يجدد الموقعون التزامهم بمواصلة العمل المشترك دفاعا عن الحرية والكرامة والعدالة، ويدعون جميع القوى الوطنية إلى الانخراط في حوار مسؤول يفضي إلى استعادة دولة القانون والمؤسسات، وإطلاق مسار وطني جامع يعيد الأمل للتونسيات والتونسيين، ويؤسس لمستقبل يقوم على الحرية، والعدالة، والديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان.
المجد لتونس الحرة… والحرية لكل سجناء الرأي… والسيادة للقانون، والكرامة لكل المواطنين




