
عقب مسيرة سلمية لمساندة نُشطاء أسطول الصمود.. في تونس حملة اعتقالات وعشرات المُحتجزين والمفقودين قسرا بينهم عائلة كاملة والسلطة تُمارس “تقنية الترهيب الجماعي”
This post is also available in:
باريس في 21 سبتمبر 2026
تُدين منظمة “صوت حرّ” بأشدّ العبارات حملة الإيقافات الليلية الواسعة التي شنّتها الأجهزة الأمنية التونسية عقب مسيرة سلمية دعت إلى الإفراج عن معتقلي أسطول الصمود الذي يتواصل اعتقالهم منذ 6 أشهر، والتي أسفرت إلى حد الآن عن احتجاز أكثر من 15 شخصا، وتعتبرها إجراءً ترهيبيا جماعيا لا يستهدف أفرادا بعينهم بقدر ما يستهدف الحقّ في الاحتجاج ذاته، في تصعيد خطير يُنذر بانغلاق ما تبقّى من هامش الحريات العامة في تونس.
وقائع تكشف نيّة الترهيب لا إنفاذ القانون
إنّ الطابع الذي اتُّخذت به هذه الإيقافات، اقتحامات ليلية للمنازل، انتزاع أشخاص من الشارع، توقيف عائلة بكاملها (الأب والأمّ وابنتيهما معا)، منع محامين من الوصول إلى مراكز الإيقاف، وتعتيم رسمي تامّ على أعداد الموقوفين ومصيرهم، كل هذا لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً أمنيا روتينيا. هذا النمط هو بصمة “تقنية الترهيب الجماعي”، هدفه ليس التحقيق في فعل بعينه، بل بثّ الخوف بالجملة في كلّ من يفكّر في النزول إلى الشارع مستقبلا. توقيف طفلتين مع والديهما تحديدا لا يخدم أيّ غرض تحقيقي يمكن تصوّره، ولا تفسير معقول له سوى العقاب الجماعي والانتقام من الأب الناشط عبر عائلته. خمسة عشر إيقافا في ليلة واحدة، عقب مسيرة سلمية معلنة ومرخّصة لم تُسجَّل فيها أعمال عنف، هو ردّ عنيف وترهيبي، ولا يمكن تبريره بأي مقتضى أمني جدّي
هذا ليس حادثا معزولا
تُسجّل “صوت حرّ” أنّ هذه الحملة تأتي في سياق نمط متكرّر من ملاحقة كلّ صوت متضامن مع قضية أسطول الصمود، بدءًا من إيقاف نشطاء الأسطول أنفسهم بتهم “غسل الأموال” منذ مارس 2026، وهي تهم تُستخدم بشكل متزايد في تونس لتجريم العمل التضامني والحقوقي المشروع بدل ملاحقتها بموجب نصوص متعلقة فعليًا بحرية التعبير والتجمّع، وصولا إلى ملاحقة كلّ من يتضامن معهم في الشارع. هذا النهج يكشف عن سياسة ممنهجة لتجفيف منابع الاحتجاج، عبر معاقبة المتضامنين قبل أن تتّسع دائرة التضامن.
مُساءلة قانونية لا تحتمل التأويل
هذه الممارسات، لا تُشكّل فقط خرقا إجرائيا، بل انتهاكا جوهريا لالتزامات تونس الدستورية والدولية:
- إيقاف أشخاص لمجرّد مشاركتهم في تظاهرة سلمية هو مساس مباشر بجوهر الحقّ في التجمّع السلمي المكفول بالفصل 42 من الدستور والمادة 21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لا استثناء يبرّره.
- حرمان الموقوفين من الاتصال بمحام ومن إعلام ذويهم يخرق الفصل 13 ثالثا من مجلة الإجراءات الجزائية، ويحوّل الإيقاف من إجراء قانوني إلى احتجاز تعسّفي صرف.
- التعتيم على مصير الموقوفين وأماكن احتجازهم، إن استمرّ، يضع تونس على عتبة جريمة الاختفاء القسري بالمعنى الذي حدّدته الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وهي جريمة مستمرّة لا تسقط بالتقادم ولا تبرَّر بأي ظرف، بما في ذلك دواعي الأمن العام.
- توقيف قاصر (تسنيم الشابي) في سياق حملة أمنية ليلية يستوجب تفعيلا فوريا لموجب الحماية الخاصة الذي تكفله اتفاقية حقوق الطفل، التي صادقت عليها تونس دون تحفّظ يبرّر مثل هذا التعامل.
وعليه فإنّ “صوت حرّ” تُطالب بــــــــ :
- الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع من أُوقفوا على خلفية مشاركتهم في المسيرة، وإسقاط كافة التتبّعات المرتبطة بذلك.
- الكشف الفوري والشامل عن هوية جميع الموقوفين وأماكن احتجازهم، ووقف أي شكل من أشكال الإخفاء القسري.
- تمكين المحامين فورا ودون قيد من الوصول إلى موكّليهم في جميع مراكز الإيقاف.
- فتح تحقيق قضائي مستقلّ وعاجل في شرعية هذه الحملة وتناسبها، مع تحميل المسؤولية لكلّ من أصدر أو نفّذ أوامر تتعارض مع الدستور.
- وقف فوري لسياسة تجريم التضامن مع القضية الفلسطينية ومع معتقلي أسطول الصمود، والكفّ عن استخدام تهم مالية كغطاء لملاحقة النشاط الحقوقي.
- الإفراج عن نشطاء أسطول الصمود المضربين عن الطعام، الذين تشير المعطيات إلى تدهور حاد في وضعهم الصحّي، وتمكينهم الفوري من رعاية طبية مختصّة، إذ إنّ أي مكروه يلحق بهم في ظلّ هذا التعتيم يُحمَّل مسؤوليته الكاملة للسلطات التونسية.
وتُحمّل “صوت حرّ” السلطات التونسية المسؤولية الكاملة عن سلامة جميع الموقوفين الجسدية والنفسية، وتدعو الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب إلى زيارة عاجلة وفورية لجميع مراكز الاحتجاز المعنية دون سابق إعلام. كما تُناشد المقرّرين الخواصّ للأمم المتحدة المعنيين بحرية التجمّع السلمي، وبحالة المدافعين عن حقوق الإنسان، وبالاحتجاز التعسّفي، وبالاختفاء القسري، وبحقوق الطفل، التدخّل الفوري والعلني لدى السلطات التونسية قبل تفاقم الوضع. إنّ الصمت أو التأخّر في التصدّي لهذا النمط من الترهيب الجماعي سيُفهم بوصفه ضوءًا أخضر لتكراره على نطاق أوسع



