
في السجون التونسية.. زنازين تَختنق وموت تحت الحراسة.. حين تتحوّل الدولة من حارسة للإنسان إلى شاهدة على موته أوقفوا الكارثة !!
This post is also available in:
باريس في 29 أوت 2026
تُطلق منظمة “صوت حرّ” صرخة إنسانية وحقوقية عاجلة إزاء ما يجري داخل السجون التونسية، حيث لم يعد الحديث عن سوء ظروف الاحتجاز أو الاكتظاظ أو ضعف الرعاية الصحية مجرد شكاوى متفرقة، بل أصبحنا أمام خطر حقيقي يهدد حياة أشخاص موجودين تحت سلطة الدولة وحمايتها المباشرة.
وتُتابع منظمتنا ببالغ القلق والتوجس ما يتم تداوله من معطيات حول تسجيل حالات وفاة داخل عدد من السجون التونسية خلال موجة الحرّ الشديدة، وما رافقها من تدهور خطير في الحالة الصحية لعدد من المودعين، في ظل ظروف احتجاز تتسم بالاكتظاظ، وضعف التهوية، وصعوبة مواجهة درجات الحرارة الاستثنائية. وقد سبق أن تم تسجيل وفيات مسترابة داخل المؤسسات السجنية خلال سنة 2026، فيما تحدثت منظمات حقوقية عن ارتفاع عدد الوفيات المرصودة، وعن ارتباط ظروف الاحتجاز القاسية بموجات الحرّ والانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي وضعف التهوية والرعاية الصحية.
إننا نؤكد بوضوح، أنّ السجين إنسان، والموقوف إنسان، والمحروم من حريته لم يفقد حقه في الحياة ولا حقه في السلامة الجسدية ولا حقه في الكرامة. وأنّ العقوبة، أيا كانت، لا تمنح الدولة الحق في تعريض الإنسان للحرارة الخانقة أو الجفاف أو المرض أو الإهمال الطبي أو ظروف احتجاز يمكن أن تهدد حياته. وأنّ الحرمان من الحرية لا يعني الحرمان من الكرامة، ولا يعني الحرمان من الهواء والماء والعلاج والحماية.
وإذا كانت الدولة تعلم مُسبقًا بخطورة موجة الحرّ، وبطبيعة المؤسسات السجنية المغلقة والمكتظة، وبوجود مرضى وكبار سن وأشخاص يعانون من أمراض مزمنة، فإن واجبها لا يقتصر على مراقبة الوضع، بل يفرض عليها اتخاذ إجراءات استثنائية وفورية لحماية حياة المحتجزين.
إنّ ترك أشخاص محرومين من حريتهم في ظروف يعلم الجميع أنها قد تُشكل خطرا على حياتهم، ثم انتظار وقوع المأساة، لا يمكن أن يُعامل باعتباره مُجرد “حادث” أو “قضاء وقدر”. الدولة مسؤولة عن كل إنسان يوجد تحت سلطتها.
ومن هذا المنطلق، فإننا نُحمّل السلطات التونسية المسؤولية القانونية والأخلاقية والسياسية عن ضمان سلامة الأشخاص الموجودين داخل المؤسسات السجنية، ونُطالبها بالكشف الفوري عن الحقيقة كاملة، بدل الصمت والتعتيم وترك العائلات والرأي العام أمام أخبار متضاربة ومعلومات غير رسمية.
وعليه تُطالب صوت حرّ فورا بـ:
- فتح تحقيقات مستقلة وشفافة وفعالة في جميع حالات الوفاة التي وقعت داخل السجون، وخاصة الحالات التي تزامنت مع موجة الحر الأخيرة، وتحديد أسباب الوفاة والمسؤوليات دون حماية أي طرف من المساءلة.
- الإعلان الرسمي عن العدد الحقيقي للوفيات داخل المؤسسات السجنية خلال الأيام والأسابيع الأخيرة، مع توضيح المؤسسات التي وقعت فيها هذه الوفيات وأسبابها الطبية والقانونية.
- تمكين عائلات المتوفين ومحاميهم من الوصول إلى المعلومات والملفات الطبية المتعلقة بوفاة ذويهم، واحترام حقهم الكامل في معرفة الحقيقة.
- إرسال فرق طبية مستقلة بصورة عاجلة إلى السجون الأكثر اكتظاظا والأشد تعرضا للحرارة، لفحص المحتجزين ورصد الحالات الصحية الخطرة.
- توفير الماء الصالح للشرب والتهوية والتبريد والحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة داخل جميع المؤسسات السجنية، واتخاذ تدابير استثنائية خلال موجات الحر.
- الإفراج العاجل أو اعتماد تدابير بديلة لفائدة الفئات الأكثر هشاشة صحيا، وخاصة كبار السن والمرضى وذوي الأمراض المزمنة، متى كان ذلك ممكنا قانونا.
- تخفيف الاكتظاظ بصورة عاجلة، وتفعيل العقوبات البديلة والإجراءات القانونية التي من شأنها الحد من عدد الأشخاص الموجودين داخل السجون.
- السماح للهيئات الوطنية والمنظمات الحقوقية المستقلة بالوصول إلى المؤسسات السجنية ومراقبة ظروف الاحتجاز، بدل التضييق على الرقابة الحقوقية.
إن ما يحدث لا يمكن اختزاله في موجة حرّ عابرة. الحرّ قد يكون ظاهرة طبيعية، لكن موت الإنسان داخل مؤسسة مغلقة وهو تحت مسؤولية الدولة ليس أمرا طبيعيا ولا يجب أن يصبح أمرا عاديا. وإن كانت درجات الحرارة قد بلغت مستويات قياسية، فإنّ مسؤولية الدولة تصبح أكبر، لا أصغر. فالمؤسسات السجنية ليست أماكن خارجة عن القانون، والسجين ليس شخصا متروكا لمصيره.
إننا نُحذر من أنّ استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى مزيد من الوفيات، ونُحمّل السلطات التونسية مسؤولية اتخاذ التدابير الوقائية العاجلة واللازمة قبل أن تتحول الوفيات المتفرقة إلى كارثة إنسانية جماعية.
نحن نُطالب بأبسط حق للسجين الانسان، ألا يموت الإنسان لأنه سُلب حريته. ونقول للسلطات التونسية بوضوح،
السجون ليست مناطق معزولة عن القانون، والمحتجزون ليسوا أرقاما، والوفاة داخل السجن ليست خبرا عابرا، وحياة الإنسان ليست قابلة للتفاوض. إن استمرار الصمت أمام هذه المأساة، أو الاكتفاء ببيانات عامة حول “اتخاذ الإجراءات اللازمة”، لن يكون كافيا.
نُريد الحقيقة.. نُريد التحقيق.. نُريد المحاسبة.. ونُريد أن تتوقف الوفيات




