
تونس خلف القضبان
This post is also available in:
العربية
تقرير حقوقي حول خمس سنوات من انهيار منظومة الحقوق والحريات والضمانات الدستورية
(25 جويلية 2021 – 25 جويلية 2026)
عندما يصبح الخوف قاعدة.. والرأي تهمة.. والمعارضة سببا للاعتقال..
باريس في 25 جويلية 2026
خمس سنوات مرت عن إعلان الرئيس قيس سعيد اجراءاته الاستثنائية والانقلاب على المؤسسات التشريعية والدستورية في 25 جويلية ،2021 شهدت فيها
تونس، انحدارا حقوقيا وسياسيا ودستوريا عميقا وخلال السنوات الخمس اللاحقة، برزت مؤشرات متزايدة على تدهور أوضاع الحقوق والحريات، تمثلت في تصاعد الملاحقات القضائية بحق معارضين سياسيين وصحفيين ومحامين ونشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان، وتوسع في استخدام الإيقاف التحفظي، وصدور أحكام فلكية سالبة للحرية في قضايا فضفاضة غلب عليها طابع الانتقام والتنكيل، أثارت استياء واسعا بشأن مدى احترام ضمانات المحاكمة العادلة واستقلال القضاء كما شهدت البلاد تضييقا متناميا على الفضاء المدني والإعلامي، من خلال ملاحقة أصحاب الرأي على خلفية تصريحات أو منشورات، وتزايد القيود المفروضة على حرية العمل الحزبي والجمعياتي، في سياق اتسم بانكماش المجال العام وارتفاع منسوب الرقابة على الخطاب العام، واستهداف الخصوم أيا كان تيارهم.
فالملاحقات لم تقتصر على الإسلاميين (النهضة)، بل طالت اليسار، والدستوريين، ومستقلين، ومدافعين عن الهجرة، ومحامين، وقضاة، ما يعزز قراءة المنظمات
الحقوقية بأن الأمر تصفية شاملة للمشهد المعارض لا معركة إيديولوجية ويستعرض هذا التقرير أبرز المؤشرات الحقوقية المسجلة خلال الفترة الممتدة بين 25 جويلية 2021 و25 جويلية ،2026 اعتمادا على المعطيات المتوفرة، والتقارير الحقوقية الوطنية والدولية، والوقائع الموثقة، بهدف تقديم تقييم شامل لحالة الحقوق والحريات في .تونس خلال السنوات الخمس الماضية

المحور الأول: تآكل الحق في الحرية والأمان الشخصي والمحاكمات ذات الطابع السياسي
خمس سنوات مرت منذ إعلان الرئيس قيس سعيّد “الإجراءات الاستثنائية” في 25 يوليو 2021، دخلت تونس فيها مرحلة غير مسبوقة منذ الثورة من توظيف القضاء لتصفية الخصوم السياسيين، عبر أحكام تتجاوز أحيانا عمر الإنسان الطبيعي (106 أعوام، 100 عام، 96 عاما…)، صادرة في قضايا وصفتها منظمات حقوقية دولية ومجموعة العمل الأممية المعنية بالاحتجاز التعسفي، بأنها “مسيّسة” و”فضفاضة” وتفتقر لأدنى ضمانات المحاكمة العادلة. ملفات تتقاسم خصائص متكررة توثقها المنظمات الحقوقية، تهم فضفاضة وغير محددة من قبيل “التآمر على أمن الدولة”، “التخابر مع جهات أجنبية”، “التحريض على الفوضى أو العصيان”.. صياغات فضفاضة تُتيح تكييف أي نشاط سياسي أو رأي معارض على أنه جريمة إرهابية أو أمنية، ومحاكمات رافقتها اختلالات إجرائية جسيمة، فقد وثّقت هيومن رايتس ووتش أن 37 شخصا في “قضية التآمر” أُُدينوا بعد ثلاث جلسات فقط دون ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة، وبعضهم حُوكم عن بُعد عبر الفيديوكونفرنس رغم اعتراض هيئات الدفاع.
كما تم تسجيل إساءة معاملة وتدهور صحي للمعتقلين، فضلا عن تقارير حول تعرض معتقلين للضرب والإهمال الطبي، وإضرابات عن الطعام احتجاجا على ما وُصف بـ”الاحتجاز التعسفي”. ورصدت منظمة صوت حرّ كما بقية المنظمات الحقوقية وهيئات الدفاع توسعا في اللجوء إلى الإيقاف التحفظي لفترات مطولة، مع تكرار إصدار بطاقات إيداع جديدة في قضايا مختلفة بحق بعض الموقوفين، بما أدى إلى استمرار حرمانهم من الحرية لفترات طويلة قبل صدور أحكام باتة، وهو ما اعتبرته هذه المنظمات مساسا بضمانات المحاكمة العادلة وبالطابع الاستثنائي للإيقاف التحفظي
قضية “التآمر على أمن الدولة
تُعد قضية “التآمر على أمن الدولة” من أكبر القضايا السياسية التي شهدتها تونس منذ سنة 2011، إذ شملت عشرات السياسيين والمحامين والوزراء السابقين ورجال الأعمال والناشطين. وقد انتهت المرحلة الابتدائية منها بإصدار أحكام سالبة للحرية تراوحت بين سنوات طويلة وعقوبات مشددة، بلغ مجموعها مئات السنين من السجن، وهو ما أثار انتقادات واسعة من هيئات الدفاع والمنظمات الحقوقية التي تكشّف لها حجم التهم الفضفاضة والأحكام الجائرة التي لم يراع فيها أبسط شروط المحاكمة العادلة.
قضية “أنستالينغو”
ومثّلت قضية “أنستالينغو” بدورها إحدى أبرز القضايا ذات البعد السياسي والإعلامي، وشملت سياسيين وصحفيين وإعلاميين ورجال أعمال ومسؤولين سابقين. وانتهت بإصدار أحكام سالبة للحرية شديدة القسوة. ويُظهر مجموع العقوبات الصادرة في قضيتي “التآمر” و”انستالينغو” مستوى غير مسبوق في تاريخ القضاء التونسي، من التشدد في العقوبات السالبة للحرية في القضايا ذات الطابع السياسي في تونس خلال العقود الأخيرة، وهو ما دفع العديد من المنظمات الحقوقية إلى دق ناقوس الخطر والمطالبة بمراجعة هذه الأحكام وضمان احترام معايير المحاكمة العادلة وحق الدفاع.
راشد الغنوشي.. احتجاز تعسفي وأحكام متراكمة بحق رئيس حزب ثمانيني
يحتل ملف رئيس حركة النهضة ورئيس مجلس نواب الشعب السابق راشد الغنوشي مكانة خاصة ضمن رصد أوضاع الحقوق والحريات في تونس، بالنظر إلى تعدد القضايا المرفوعة ضده، وتراكم الأحكام الصادرة في حقه، وما أثاره ذلك من اهتمام ومتابعة على المستويين الوطني والدولي، وتُعتبر حالة راشد الغنوشي الأبرز والأكثر دلالة.
راشد الغنوشي (85 عاما)، رئيس حركة النهضة والرئيس السابق للبرلمان، موقوف منذ أبريل 2023، وتراكمت بحقه أحكام في ملفات منفصلة حتى فاق مجموعها 106 أعوام مع السجن مدى الحياة:
“الجهاز السري لحركة النهضة” (يونيو 2026) مؤبد + 30 سنة، “المسامرة الرمضانية” (أفريل 2026) 20 سنة، “التخابر” 22 سنة، “التآمر على أمن الدولة” 142 سنة، “التمويل الأجنبي” 3 سنوات، “قضية الطواغيت” سنة واحدة، “تدقيق مالي” (نواب برلمانيين) سنتان.
وقد رفض الغنوشي وهيئة دفاعه الطعن في الأحكام الأخيرة، معتبرين أن الملفات “سياسية بامتياز ولا أُسس قانونية لها ومُفبركة” كما أنّ المحاكمة عن بعد ضربت حق الدفاع. وتكتسب هذه القضية بعدا حقوقيا إضافيا بعد أن خلص الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي التابع لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، في رأيه رقم 63/2025، إلى أن احتجاز راشد الغنوشي يُعد احتجازا تعسفيا، ودعا إلى الإفراج الفوري عنه، وتمكينه من حقه في جبر الضرر، معتبرا أن حرمانه من الحرية لا يتوافق مع الالتزامات الدولية المترتبة على تونس بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ويأتي هذا التباين بين الموقف الأممي من سجن الغنوشي وموقف سلطة الأمر الواقع في تونس ليجسد أحد أبرز أوجه التنكيل والتصفية السياسية لسياسي ومفكر تجاوز الثمانين من عمره وهو يقارع الاستبداد وينافح عن الديمقراطية والتعايش السلمي والحرية للجميع..
كما تجدر الإشارة إلى أنّ استهداف الغنوشي لم يتوقف عنده بل امتد إلى عائلته، فابنه معاذ الغنوشي حُكم عليه غيابيا بمجموع أحكام يقارب 100 عام سجن، رغم أن بعض الوقائع المنسوبة إليه سبقت ولادته حتى، وابنتاه تسنيم (32 عاما) وسمية (24 عاما) نالتا أيضا أحكاما ثقيلة. ويُعزز هذا النمط من ملاحقة الأبناء على خلفية نشاط الأب السياسي عند جميع الحقوقيين طابع “التنكيل الجماعي” لا الملاحقة الفردية.
الجدول (1): الأحكام الابتدائية الصادرة في قضية “التآمر على أمن الدولة” (19 أفريل 2025)


الصحفيون والإعلاميون والمدونون
شهد القطاع الإعلامي ارتفاعًا ملحوظًا في عدد التتبعات القضائية منذ 2022، خاصة بعد دخول المرسوم ” سيء الذكر” عدد 54 لسنة 2022 حيز التنفيذ.
وتشير بيانات نقابة الصحفيين التونسيين ومنظمات حرية الصحافة إلى أن:
- عشرات الصحفيين والإعلاميين والمدونين تعرضوا للاستدعاء أو التتبع أو التحقيق.
- تجاوز عدد الملفات المتعلقة بحرية التعبير والنشر خلال الفترة الأخيرة عشرات القضايا.
- شملت التتبعات صحفيين ومقدمين لبرامج إذاعية وتلفزية ومدونين بسبب تصريحات أو منشورات على شبكات التواصل الاجتماعي.
الجدول (2): الصحفيون والإعلاميون والمدونون الذين طالتهم التتبعات أو الإيقافات أو الأحكام منذ 25 جويلية 2021


المرسوم عدد 54 لسنة 2022: سلاح السلطة لتجريم حرية التعبير
أصبح المرسوم عدد 54 لسنة 2022 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال عصا السلطة لتكميم الأفواه وضرب المعارضين لسياساتها، لما ترتب عن تطبيقه من تتبعات قضائية طالت صحفيين وإعلاميين ومحامين ونشطاء ومدونين وشخصيات سياسية بسبب تصريحات أو منشورات أو آراء تم التعبير عنها في الفضاء العام أو الرقمي.
وقد أثار تطبيق المرسوم انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان وهيئات مهنية، خاصة بسبب الفصل 24 منه، الذي يجرّم نشر أخبار أو معلومات إذا اعتبرها المشرّع “كاذبة” أو من شأنها الإضرار بحقوق الغير أو الأمن العام أو الدفاع الوطني، مع فرض عقوبات سالبة للحرية وخطايا مالية. واعتبرت هذه الجهات أن الصياغات الفضفاضة لبعض أحكامه تسمح بتأويلات واسعة تضرب حرية التعبير وحرية الصحافة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالنقد السياسي أو تقييم أداء المسؤولين العموميين. ومنذ دخول المرسوم حيز التطبيق، سجلت منظمات صحفية وحقوقية ارتفاعا مطردا في عدد القضايا المرفوعة ضد صحفيين وإعلاميين ومدونين ونشطاء، حيث أصبح النص القانوني حاضرا في عدد من الملفات المتعلقة بتصريحات إعلامية أو منشورات على شبكات التواصل الاجتماعي.
الجدول (3): أبرز التتبعات والأحكام المرتبطة بالمرسوم عدد 54 لسنة 2022

مجموع أحكام يتراوح بين 1000و1500 سنة.. سابقة قضائية
وتجدر الإشارة في ختام هذا المحور إلى أنّه رغم غياب إحصائية رسمية شاملة تجمع كل الأشخاص الذين تعرضوا للإيقاف أو التتبع القضائي منذ 25 جويلية 2021، فإنّ المعطيات التي جمعتها منظمات حقوقية وهيئات مهنية وتقارير إعلامية موثقة تشير إلى أن عدد الأشخاص الذين شملتهم الملاحقات القضائية خلال هذه الفترة يُقدّر بمئات الأشخاص، من بينهم سياسيون ونواب سابقون ومحامون وصحفيون ومدونون ونشطاء ومدافعون عن حقوق الإنسان. فبين قضية التآمر” (37) متهما بأحكام تتراوح بين 4 و66 عاما لكل شخص “وقضية انستالينغو”: (41) متهما بأحكام بين 5 و54 عاما لكل شخص لو جمعنا فقط الأسماء البارزة (مع تفادي ازدواج حساب الغنوشي)، المجموع يتجاوز 390 عاما لأقل من 15 شخصا فقط، وهذا لا يشمل الـ78 متهما الإضافيين في قضيتي التآمر وانستالينغو مجتمعتين، والذين لو أُضيفوا لبلغ المجموع التقديري بسهولة أكثر من 1000–1500 عاما سجن مجمّعة عبر كل القضايا السياسية منذ 2023.
وللتنويه فإن هذا الرقم تقديري وتجميعي، لأسباب منهجية، منها تداخل القضايا وتنفيذ بعض الأحكام بالتوازي لا بالتراكم.

المحور الثاني: ضرب استقلال القضاء وتوظيف المنظومة العدلية لتصفية الخصوم السياسيين
شكّل القضاء التونسي خلال السنوات التي أعقبت 25 جويلية 2021 أحد أبرز ساحات المواجهة بين السلطة التنفيذية وخصومها السياسيين والمدنيين. فقد شهدت البلاد إجراءات استثنائية وتغييرات عميقة مست جوهر استقلال السلطة القضائية، وحوّلت القضاء من إحدى ركائز حماية الحقوق والحريات إلى عصا غليظة لضرب وتصفية المعارضين وأصحاب الرأي والفاعلين في الحياة العامة.
وكان قرار حل المجلس الأعلى للقضاء في فيفري 2022 نقطة تحول خطيرة في مسار استقلال القضاء، إذ مثّل هذا المجلس الضمانة الدستورية الأساسية للتعيينات والمسارات المهنية للقضاة وحمايتهم من التدخلات. وقد أدى استبداله بهيئة مؤقتة ومعينة ومنشأة بمرسوم رئاسي إلى وضع جزء كبير من إدارة الشأن القضائي تحت طائلة السلطة التنفيذية، وهو ما اعتبرته الهيئات القضائية والمنظمات الحقوقية ضربة قاصمة لمبدأ الفصل بين السلطات.
كما مثّل إعفاء 57 قاضيا في جوان 2022 سابقة غير مسبوقة في تاريخ القضاء التونسي، حيث تم عزل قضاة بقرار تنفيذي استنادا إلى اتهامات لم تستوفِ، حسب منظمات حقوقية وهيئات قضائية، شروط المحاكمة التأديبية العادلة والضمانات القانونية اللازمة. وقد اُعتبرت هذه الخطوة رسالة ضغط وترهيب على الجسم القضائي، وأثرت على استقلال القضاة في معالجة الملفات الحساسة، خاصة تلك المرتبطة بالسياسة وحرية التعبير.
وتزامن هذا المسار مع توسع دائرة المحاكمات ذات الخلفية السياسية، حيث وجد عدد كبير من المعارضين والحقوقيين والصحفيين أنفسهم أمام القضاء في قضايا أثارت جدلا واسعا، من بينها ملفات “التآمر على أمن الدولة”، و”انستالينغو”، وقضايا الرأي والنشر.
وقد سجلت هيئات الدفاع والمنظمات الحقوقية جملة من الانتهاكات المقلقة، من بينها:
- التوسُّع في الإيقاف التحفظي وتحويله من إجراء استثنائي إلى ممارسة متأصّلة.
- طول فترات الاحتجاز قبل المحاكمة.
- رفض العديد من مطالب الإفراج رغم مرور فترات طويلة على الإيقاف.
- تقييد حق الدفاع والاطلاع على الملفات في بعض القضايا.
- إصدار أحكام قاسية وفلكية وعبثية في ملفات ذات طابع سياسي وفارغة.
- اخلالات وتجاوزات قانونية بالجملة.
ويهم منظمة صوت حرّ أن تُنبّه إلى أنّ تراجع استقلال القضاء لا يمثل فقط مشكلة مؤسساتية، بل يُشكل تهديدا مباشرا لحقوق المواطنين جميعا، لأن القضاء المستقل هو الحصن الأخير لحماية الأفراد من تعسف السلطة. وعندما يفقد القضاء استقلاله، يصبح خطر توظيف القانون لقمع الخصوم السياسيين وتقييد الحريات العامة خطرا قائما يُهدد أسس دولة القانون.
وعليه، فإن إصلاح الوضع الحقوقي في تونس يمرّ بالضرورة عبر إعادة الاعتبار لاستقلال القضاء، وإلغاء كل أشكال التدخل التنفيذي في عمله، وضمان محاكمات عادلة ومستقلة لكل المواطنين، بمن فيهم المعارضون السياسيون وأصحاب الرأي.
ترهل المنظومة السجنية وتردّي أوضاع المساجين
كشف تقرير للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان صدر في مايو 2025 أن عدد نزلاء السجون ارتفع بأكثر من 10 آلاف خلال سنتين ليبلغ 33 ألف سجين، مقابل طاقة استيعابية لا تتجاوز 17 ألفا، بما يجعل نسبة الاكتظاظ العام تناهز 150%، وتتجاوز 200% في بعض الوحدات.
وقد وثّقت جمعيات ومنظمات حقوقية بناء على شهادات ضحايا ومحامين عودة مقلقة للتعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي، وأن السجناء يضطرون للنوم على الأرض بسبب نقص الأسرّة، ووثّقت الجمعية 24 حالة انتهاك و4 وفيات خلال شهر جويلية 2025وحده، ناتجة عن ضعف التهوئة وسوء دورات المياه.
كما رصدت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ارتفاعا لافتا في حالات “الموت المستراب” داخل السجون، إذ تلقّت نحو 12 إشعارا بحالات مشتبه بها بين يوليو 2025 وفبراير 2026، من بينها حالة شاب توفي بعد سبعة أشهر من التوقيف رغم تنازل الشاكي عن الدعوى منذ الأيام الأولى.
كما كشفت التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، عن استمرار تسجيل وفيات مشتبه فيها داخل مراكز الإيقاف والمؤسسات السجنية في تونس خلال الفترة الممتدة بين عامي 2021 و2026. وقد وثقت الرابطة التونسية ما لا يقل عن 20 حالة وفاة ناجمة عن شبهات سوء المعاملة أو الإهمال الطبي المعمم، متأثرة بالأزمة الهيكلية الناتجة عن الاكتظاظ السجني الحاد الذي تجاوزت نسبته في بعض المنشآت 200% من طاقتها الاستيعابية، فضلا عن ارتفاع نسبة الموقوفين احتياطيا. كما أظهرت بيانات برنامج “سند” التابع للمنظمة الدولية لمناهضة التعذيب أن الاستخدام المفرط للقوة وتأخر تقديم الرعاية الطبية الطارئة للنزلاء المرضى يمثلان السببين الرئيسيَين وراء أغلب الانتهاكات المرصودة، حيث شهدت السجون حالات وفاة متتابعة لنزلاء يعانون من أمراض مزمنة أو اضطرابات حادة نتيجة تباطؤ بروتوكولات الإسعاف والنقل للمستشفيات. وتؤكد هذه البيانات المتطابقة أن الإحصاءات المعلنة لا تعكس سوى الحالات التي تمكنت العائلات والجمعيات من توثيقها، مما يبرز الحاجة الماسة لإقرار آليات تقصّ مستقلة وتفعيل التشريح الطبي المحايد كخطوة أساسية لمكافحة الإفلات من العقاب وضمان احترام الحق في الحياة والكرامة الجسدية. ومع ارتفاع درجات الحرارة والجائحة التي تشهدها تونس خلال الصيف مع الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي، تزيد وتتعمق معاناة السجناء المحرومين حتى من أبسط مقومات الحياة.
ففي غرفٍ مكتظة تفتقر إلى التهوئة، يصبح الحرّ الخانق عقوبة إضافية ويُحرم السجناء حتى من شرب ماء بارد، بعدما تتحول مياه الحنفية إلى ماء ساخن لا يروي عطشا ولا يخفف وطأة الحر، ناهيك عن كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة والمعقدة. لذا ترتفع العديد من الأصوات الحقوقية من داخل تونس وخارجها للإفراج الفوري عن مساجين الرأي من كبار السن وأصحاب الامراض المزمنة وتوفير العناية الطبية اللازمة والعاجلة لكل من يستحقها
جدول(4) حول تردي أوضاع السجون في تونس

المحور الثالث: التضييق على المجتمع المدني والحق في التنظّم
مثّل المجتمع المدني في تونس، منذ سنة 2011، إحدى أهم ضمانات حماية الحقوق والحريات ومراقبة أداء السلطة العمومية، حيث لعبت الجمعيات والمنظمات الحقوقية والمهنية دورا محوريا في الدفاع عن الحريات، ومتابعة الانتهاكات، والمساهمة في بناء دولة القانون. غير أن السنوات التي أعقبت 25 جويلية 2021 شهدت تصاعدا في الضغوط السياسية والقانونية والإعلامية على مكونات المجتمع المدني، ورافق ذلك خطاب رسمي اتهم عددا من المنظمات بالتخوين أو بتلقي تمويلات أجنبية، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية محاولة لتشويه دور المجتمع المدني وتقويض استقلاليته.
تصاعد الضغوط على المنظمات الحقوقية
واجهت منظمات حقوق الإنسان، خلال هذه الفترة، مناخا متزايدا من التضييق، تمثل في:
- حملات تشويه واستهداف إعلامي ضد عدد من الجمعيات والمنظمات.
- التشكيك في مصادر تمويل المنظمات رغم خضوعها لأطر قانونية ورقابية.
- الدعوات إلى مراجعة المرسوم المنظم للجمعيات بما يثير مخاوف من تقييد حرية تأسيس الجمعيات ونشاطها.
- ضغوط مرتبطة بعمل المنظمات في ملفات الهجرة والحقوق والحريات العامة.
وقد اعتبرت منظمات حقوقية وطنية ودولية أن إضعاف المجتمع المدني يهدد إحدى أهم آليات الرقابة على السلطة ويحد من قدرة المواطنين على الدفاع الجماعي عن حقوقهم
استهداف المدافعين عن حقوق الإنسان
تعرض عدد من الناشطين الحقوقيين والمدافعين عن الحريات إلى التتبعات القضائية أو الاستدعاءات أو الضغوط، خاصة أولئك الذين تناولوا ملفات حساسة مثل:
- استقلال القضاء.
- الاعتقالات السياسية.
- أوضاع المهاجرين.
- حرية التعبير.
- انتهاكات الأجهزة الأمنية.
وأدى ذلك إلى مناخ من الحذر داخل عدد من مكونات المجتمع المدني، حيث بات العديد من الفاعلين يخشون من أن تؤدي مواقفهم النقدية إلى ملاحقات أو تضييقات إدارية وقضائية.
أثر التضييق على الديمقراطية وحقوق الإنسان
إن المجتمع المدني المستقل يمثل شريكا أساسيا في حماية الحقوق والحريات، وليس طرفا سياسيا منافسا للسلطة. وقد أدّى إضعاف المنظمات الحقوقية والجمعيات المستقلة إلى:
- تقليص الرقابة المجتمعية على مؤسسات الدولة.
- إضعاف آليات الإنصاف والمساءلة.
- الحد من قدرة الضحايا على إيصال أصواتهم.
- تراجع صورة تونس في مجال الالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
المحور الرابع: وضع اجتماعي متردّ ومصادرة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية
وإذ نُدين التوظيف السياسي الفجّ للقضاء، ولقمع الحريات وعلى رأسها حرية التعبير، فإننا لا يمكن أن نغفل أن هذا الانغلاق السياسي يترافق مع تدهور معيشي خانق يتحمل التونسيون وطأته يوميا: فقد سجّل معدل التضخم عند الاستهلاك العائلي 5.3% في يونيو 2026، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسبة 7.1%، في وقت لا تزال فيه نسبة البطالة عالقة عند 15%، أي ما يقارب 642 ألف عاطل عن العمل. وبينما يتوقع صندوق النقد الدولي استمرار تصاعد التضخم ليبلغ 7% نهاية 2026 وصولا إلى قرابة 10% بحلول 2031، يواصل الدَّين العمومي ارتفاعه من 84.9% من الناتج المحلي هذا العام نحو ما يقارب 91% في السنوات المقبلة. هذا التدهور المتراكم في القدرة الشرائية والخدمات العامة ليس معزولا عن السياق السياسي، بل هو نتاج مباشر لغياب المحاسبة والشفافية وتغييب الفاعلين السياسيين والاجتماعيين عن القرار الاقتصادي، في وقت تُصادَر فيه الأصوات القادرة على المساءلة والاقتراح البديل.
الجدول (5) حول تردي الوضع الاجتماعي:

المحور الخامس: تناقض ممارسات السلطات التونسية مع المعاهدات والمواثيق الدولية المصادق عليها
صادقت تونس على عدد من الاتفاقيات الدولية التي تلزمها قانونيا بمعايير معينة في مجال المحاكمة العادلة وحرية التعبير والاحتجاز، وهي معايير تتناقض بشكل صارخ مع الممارسات الموثقة أعلاه: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR): صادقت عليه تونس عام 1969. يكفل العهد في مادته 9 الحق في عدم التعرض للاعتقال أو الاحتجاز التعسفيين، وفي مادته 14 الحق في محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مختصة ومستقلة ونزيهة، بما في ذلك حق المتهم في حضور محاكمته والدفاع عن نفسه بنفسه أو بواسطة محام من اختياره، وهو ما يتناقض مع حالات المحاكمة عن بُعد أو غيابيا التي رفضتها هيئات دفاع الغنوشي وآخرين.
اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية (CAT): صادقت عليها تونس عام 1988، تتقاطع مع تقارير عن سوء معاملة معتقلين وإهمال طبي داخل السجون.
الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب: صادقت عليه تونس عام 1983، ويكفل حق التقاضي العادل وحرية التعبير وتكوين الجمعيات.
دستور تونس 2014 (قبل تعديل 2022): كان يكرّس صراحة استقلالية القضاء والمجلس الأعلى للقضاء كضامن دستوري، وهو ما تفكك عمليا بحل هذا المجلس عام 2022.
آليات الأمم المتحدة نفسها، مجموعة العمل المعنية بالاحتجاز التعسفي ومفوضية حقوق الإنسان: تستند في تقييمها لحالة الغنوشي وغيره تحديدا إلى هذه الالتزامات التعاهدية، لا إلى معايير خارجية مفروضة، ما يجعل الانتقاد تذكيرا بالتزامات وقّعتها تونس طواعية لا تدخلا سياسيا خارجيا.
التــــــوصيـــــــــــــات العامـــــــــــــــــة
وبناء على كل ما سبق من جرد لوضع الحقوق والحريات في تونس بعد 25 جويلية 2021 من خلال هذا التقرير المفصل، فإننا في منظمة صوت حرّ ندعو إلى:
- الإفراج الفوري عن كبار السن والمرضى من المعتقلين السياسيين، وعلى رأسهم الغنوشي (85 عاما) ونجيب الشابي (ثمانيني)، تجنبا لما يتهدد حياتهم في كل لحظة داخل السجن.
- مراجعة قضائية مستقلة لكل الأحكام الصادرة عن الدوائر المختصة بقضايا الإرهاب في الملفات ذات الطابع السياسي، مع ضمان حق المحاكمة الحضورية والدفاع الكامل.
- إلغاء أو تعديل التشريعات الفضفاضة المستخدمة كأداة تجريم (“التآمر على أمن الدولة”، مرسوم الجرائم الإلكترونية عدد 54)، بما يمنع توظيفها ضد حرية التعبير والعمل السياسي.
- إعادة الاعتبار للقضاة المقالين الذين أبطلت المحكمة الإدارية قرارات إقالتهم، وإعادتهم فعليا لمناصبهم.
- فتح قنوات دولية للمراقبة، والسماح لمراقبين دوليين ومنظمات حقوقية بمتابعة سير المحاكمات ذات الطابع السياسي وزيارة المعتقلين.
- ضغط دبلوماسي متعدد الأطراف (الاتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة) لربط أي تعاون اقتصادي أو أمني بمعايير احترام حقوق الإنسان واستقلال القضاء.
- توحيد جهود المعارضة والمجتمع المدني لتوثيق الحالات ومتابعتها قانونيا وإعلاميا بشكل منهجي، بدل تناولها كحالات معزولة.




